ابن كثير
54
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
من أئمة العلماء ، ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن ، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط ، أفادت الحجة عند الناظر فيها . وأما قوله إن الدار الآخرة دار جزاء ، فلا شك أنها دار جزاء ، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار ، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال وقد قال تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ [ القلم : 42 ] الآية . وقد ثبت في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون للّه يوم القيامة ، وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقا واحدا كلما أراد السجود خرّ لقفاه « 1 » . وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها ، أن اللّه يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه ، ويتكرر ذلك مرارا ويقول اللّه تعالى : يا ابن آدم ما أغدرك ، ثم يأذن له في دخول الجنة « 2 » ، وأما قوله : فكيف يكلفهم اللّه دخول النار وليس ذلك في وسعهم ، فليس هذا بمانع من صحة الحديث ، فإن اللّه يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط ، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة ، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب ، ومنهم الساعي ومنهم الماشي ومنهم من يحبو حبوا ومنهم المكدوش على وجهه في النار « 3 » ، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم . وأيضا فقد أثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار ، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار ، فإنه يكون عليه بردا وسلاما ، فهذا نظير ذاك ، وأيضا فإن اللّه تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفا ، يقتل الرجل أباه وأخاه ، وهم في عماية غمامة أرسلها اللّه عليهم ، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل ، وهذا أيضا شاق على النفوس جدا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور ، واللّه أعلم . [ فصل ] إذا تقرر هذا فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال [ أحدها ] أنهم في الجنة . واحتجوا بحديث سمرة أنه عليه السلام رأى مع إبراهيم عليه السلام أولاد المسلمين وأولاد المشركين ، وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء عن عمها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « والمولود في الجنة » وهذا استدلال صحيح ، ولكن أحاديث الامتحان أخص منه . فمن علم اللّه
--> ( 1 ) أخرجه بنحو ، البخاري في تفسير سورة 68 ، باب 2 ، والتوحيد باب 24 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 129 ، ومسلم في الإيمان حديث 299 . ( 3 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 24 ، ومسلم في الإيمان حديث 302 ، ويروى المكدوس بدل المكدوش .